أبو نصر الفارابي

91

الجمع بين رأيي الحكيمين

فان سالبته اشدّ مضادة من الموجبة التي المحمول فيها ضدّ « 94 » ذلك المحمول . فان كثيرا من الناس ظنوا ان أفلاطون يخالفه في هذا الرأي ، وانه يرى أن الموجبة التي المحمول فيها ضد المحمول في الموجبة الأخرى ، اشدّ مضادة . واحتجوا على ذلك بكثير من أقاويله السياسية والخلقية ؛ منها ما ذكره في كتاب « السياسة » : ان الاعدل متوسّط بين الجور والعدل . وهؤلاء ، فقد ذهب عليهم ما نحاه أفلاطون في كتاب « السياسة » ، وما نحاه ارسطوطاليس في « باري هرمينياس » ، وذلك ان الغرضين المقصودين متباينان . فان أرسطو انما بيّن معاندة الأقاويل ، وانها اشدّ واتمّ « 95 » معاندة . والدليل على ذلك ما أورده في الحجج ، وبيّن « 96 » ان من الأمور ما لا يوجد فيها مضادة البتة ، وليس شيء من الأمور الّا ويوجد فيها سوالب معاندة له . وأيضا ، فإن كان واجبا في غير ما ذكرنا ، ان يجري الامر على هذا المثال ، فقد ترى ان ما قيل في ذلك صواب ؛ وذلك أنه قد يجب ، اما ان يكون اعتقاد النقيض هو الضد في كل موضع ، واما ان يكون في موضع من المواضع هذه . الّا ان الأشياء « 97 » التي ليس يوجد فيها ضد أصلا ، فان الكذب فيها هو الضد « 98 » المعاند للحق . ومثال ذلك ، من ظنّ بانسان انه ليس بانسان ، فقد ظن ظنا كاذبا . فإن كان هذان الاعتقادان هما الضدان ، فسائر الاعتقادات انما الضد فيها هو اعتقاد النقيض . واما أفلاطون ، حيث بيّن ان الاعدل متوسّط بين العدل والجور ، فإنه انما قصد بيان المعاني السياسية ومراتبها ، لا معاندة الأقاويل فيها . وقد ذكر أرسطو في « نيقوماخيا الصغير في السياسة » شبها بما بيّنه أفلاطون . فقد تبيّن لمتأمل هذه الأقاويل والناظر فيها بعين النصفة ، انه لا خلاف بين الرأيين ، ولا تباين بين الاعتقادين . وبالجملة ، فليس يوجد إلى الآن لافلاطون أقاويل يبين فيها المعاني المنطقية التي زعم كثير من الناس ان بينه وبين ارسطوطاليس فيها خلافا . وانما يحتجون على ما يزعمون ببعض أقاويله السياسية والخلقية والإلهية ، حسب ما ذكرناه . ثامنا - مسائل طبيعية : مسألة الابصار ومن ذلك حال الابصار ، وكيفيته ؛ وما ينسب إلى أفلاطون من أن رأيه مخالف لرأي أرسطو : ان أرسطو يرى أن الابصار انما يكون بانفعال من البصر ؛

--> ( 94 ) « ا » ضد ؛ « ب » ناقص [ ضد ] . ( 95 ) « ا » وأتم ؛ « ب » وأعم . ( 96 ) « ا » وبين ؛ « ب » وهو . ( 97 ) « ا » الأشياء ؛ « ب » الأسباب . ( 98 ) « ا » « ب » العقد ؛ « د » الضد .